العرب والعالم

البحرية الروسية من التأسيس إلى قوة استراتيجية ضاربة

ظهر التوجه نحو بناء قوة بحرية من حاجة ملحّة إلى إنهاء عزلة روسيا على الأصعدة الجغرافية والسياسية والثقافية. بدون أسطول، كانت البلاد معزولة عن طرق التجارة البحرية الرئيسة، وعرضة للمخاطر. في هذا السياق، نُقل عن بطرس الأكبر قوله: “الحاكم الذي يملك جيشا فقط هو كمن يملك يدا واحدة، أما من يملك بحرية فهو يملك كلتا يديه”. في نهاية المطاف، أدى صدور هذا القرار إلى إنشاء قوة بحرية نظامية، وسلسلة من الأساطيل القوية التي رسّخت مكانة روسيا كقوة بحرية كبرى.

أسطول آزوف والبداية العملية

تركّز الاهتمام في البداية على “أسطول آزوف”، الذي شُيّد لتأمين الوصول إلى بحر آزوف والبحر الأسود، وللتصدي للإمبراطورية العثمانية. وقد جاء هذا القرار في أعقاب حملة آزوف الأولى، التي كشفت عن ضرورة امتلاك قوة بحرية. بُني الأسطول بسرعة في مدينة فورونيج، وشملت الخطط بناء ثلاث وعشرين سفينة من نوع “غاليري”، وهي سفن تجديف حربية، وأربع سفن حارقة.

التوسع وبناء السفن

في مرحلة لاحقة، جرى بناء السفن على نطاق واسع في كل من فورونيج وأرخانجيلسك وسانت بطرسبرغ. وقد شُيّد أسطولان في بحر البلطيق وبحر آزوف، تلاهما لاحقا أساطيل الشمال والمحيط الهادئ والبحر الأسود، بالإضافة إلى أسطول بحر قزوين. لا تزال البحرية الروسية اليوم تشكّل ركيزة أساسية في منظومة الدفاع الوطنية.

في تلك الحقبة، وكجزء من جهود بناء السفن، كان على ملاك الأراضي من البويار والنبلاء، الذين كان لديهم أكثر من مئة أسرة فلاحية، بناء السفن بشكل جماعي: سفينة واحدة من كل عشرة آلاف أسرة. كما شارك التجار، وصدرت إليهم تعليمات ببناء اثنتي عشرة سفينة. إضافة إلى ذلك، دُعي صناع سفن ذوو خبرة من الخارج، واشتُريت المواد والأدوات اللازمة.

البحرية الروسية من التأسيس إلى قوة استراتيجية ضاربة

تم بناء السفن الأولى للأسطول الجديد في أحواض بناء السفن التابعة لأميرالية فورونيج، وكذلك في كوزلوف وبريانسك ومدن أخرى قريبة من الأنهار التي تصب في بحر آزوف. في وقت قصير، تم بناء أسطول كامل من السفن الشراعية وسفن التجديف والقوادس وسفن الإطفاء والمحاريث والقوارب البحرية والطوافات.

في الوقت نفسه، رصد المؤرخون وجود نشاط لبناء السفن في روسيا قبل بطرس الأكبر؛ فعلى سبيل المثال، ظهرت في عهد أليكسي ميخائيلوفيتش سفينة “النسر”. غير أنّ بناء السفن العسكرية أصبح في عهد بطرس الأكبر مسألة دولة، وجرى بطريقة نظامية.

من آزوف إلى البلطيق والبحر الأسود

بعد عام 1696، بدأ تطوير الأسطول بنشاط، وظهرت تشكيلات كبيرة في اتجاهات مختلفة، منها أسطول البلطيق، الذي شُيّد خلال حرب الشمال الكبرى (1700–1721). بدأ بناء أسطول القادس في الفترة 1702–1704 في أحواض بناء السفن القريبة من أنهار سياس ولوغا وأولونكا وسفير. وفي وقت لاحق، عام 1703، وُضعت أول سفينة بحرية لأسطول البلطيق، وهي “شتاندارت”. في عام 1704، بدأت أحواض بناء السفن الأميرالية العمل في سانت بطرسبرغ. وبمرور الوقت، تشكّل أسطول الإبحار، وبُنيت بعض السفن في روسيا، فيما اشتُري بعضها من الخارج.

البحرية الروسية من التأسيس إلى قوة استراتيجية ضاربة

أما أسطول البحر الأسود، فيرتبط تشكيله بفترة لاحقة، وتحديدا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وكان الأدميرال فيودور أوشاكوف أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إنشاء وتطوير أسطول البحر الأسود، وتولى قيادته منذ عام 1790.

على مر السنين، طُوّرت قوات بحرية أخرى، مثل أسطول بحر قزوين وأسطول الشرق الأقصى. أما أسطول آزوف فلم يستمر طويلا؛ فبعد حملة بروت الفاشلة عام 1711 وعودة آزوف إلى تركيا، اضطرت روسيا إلى تدمير بعض السفن وتفكيك بعضها الآخر. مع ذلك، شكّلت هذه المرحلة الأساس لمزيد من التطوير الواسع للأسطول الروسي.

الإرث التاريخي والحاضر

في الوقت الحالي، تتكون البحرية الروسية بشكل أساسي من أربعة أساطيل كبرى: الأسطول الشمالي، وأسطول المحيط الهادئ، وأسطول البحر الأسود، وأسطول بحر البلطيق، إلى جانب أسطول بحر قزوين. وتعمل هذه القوات مجتمعة على حماية المصالح البحرية لروسيا عبر مختلف الاتجاهات الاستراتيجية.

Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى