اتفاق الإطار… حين باعت السلطة الوطن
هناك قاعدة في السياسة تقول إن الاتفاق الناجح لا يحتاج إلى من يدافع عنه، لأن الوقائع تتولى الدفاع عنه. أما الاتفاق الفاشل، فيحتاج كل صباح إلى رواية جديدة، وكل مساء إلى مبرر جديد. وهذا تماماً ما ينطبق على ما يسمى “اتفاق الإطار” الذي وقّعته السلطة اللبنانية مع الكيان الصهيوني.
منذ لحظة التوقيع، لم تستطع السلطة أن تتحدث بلغة المنتصر. لم تعرض مكاسب واضحة، ولم تقدم إنجازاً ملموساً، ولم تضع أمام اللبنانيين سبباً واحداً يدفعهم إلى الاعتقاد بأن ما جرى كان انتصاراً للدولة. على العكس، دخلت في حالة دفاع دائم، تستنفر الوزراء والمستشارين والإعلاميين والنقابات، بل وتستدعي نوابا ومستكتبين ليس لتسويق إنجاز، بل لتبرير اتفاق باتت وقائعه اليومية تفضحه أكثر مما تشرحه.
لقد تحولت السلطة، بإرادتها، أو إرادة مشغليها إلى موقع المتهم أمام شعبها. والاتهام هنا ليس بسبب ما يقوله الخصوم، بل بسبب ما تكشفه الوقائع التي أعقبت الاتفاق.
الوقائع تفضح زيف الرواية
قيل للبنانيين إن الاتفاق سيوقف الاعتداءات، وسيؤدي إلى الانسحاب الإسرائيلي، وسيعيد الهدوء إلى الجنوب. لكن ماذا حدث؟ لم يتوقف إطلاق النار. لم يتوقف القتل. لم تتوقف عمليات النسف والتجريف. لم تنسحب إسرائيل من جميع الأراضي التي لا تزال تحتلها.
بل إن الاحتلال واصل فرض وقائعه الميدانية، فيما اكتفت السلطة بمحاولة تبرير اتفاق العار دون حتى اصدار بيانات ادانة التفجيرات واحراق المنازل وقتل المدنيين. وهنا يبرز السؤال الذي لم تجب عنه السلطة حتى اليوم: إذا كانت إسرائيل ما زالت تفعل كل ما كانت تفعله قبل الاتفاق، فما الذي تغيّر لمصلحة لبنان؟
فالسيادة لا تُقاس بعدد المؤتمرات الصحافية، ولا بتصريحات وتعليقات المستكتبين عند السلطة بل بقدرة الدولة على حماية أرضها. وإذا بقيت الأرض مستباحة، فإن كل حديث عن نجاح الاتفاق يصبح مجرد خطاب سياسي فارغ .
الاطاحة بالدستور إرضاء للخارج
ليس أخطر ما في الاتفاق نتائجه، بل الطريقة التي مر بها. فالدستور اللبناني لم يضع أحكاماً شكلية عبثاً، بل وضعها لحماية السيادة ومنع السلطة من التفرد بقرارات تشكل مخالفة واضحة او تؤدي لانقسام في الوطن ولفتنة اهلية
وقد أثار عدد من القانونيين أسئلة جوهرية حول ما إذا كان الاتفاق، بطبيعته وآثاره، يستوجب المرور بالآليات الدستورية الخاصة بإبرام الاتفاقيات التي تمس الحقوق السيادية. بدلاً من الإجابة القانونية، لجأت السلطة إلى الخطاب السياسي، وكأن الدستور يُجاب عليه بالشعارات لا بالنصوص.
والسلطة التي تعجز عن إقناع الناس بشرعية إجراءاتها، لا تستطيع أن تطلب منهم الثقة بنتائجها.
المادة 13… يوم تخلّت السلطة عن حق الضحايا
إذا كان التاريخ سيتوقف عند بند واحد في هذا الاتفاق، فلن يكون البند الأمني، بل المادة الثالثة عشرة. هذه المادة، التي تلزم الطرفين بوقف “الأعمال العدائية أو السلبية في المحافل السياسية أو القانونية الدولية”، ليست مجرد صياغة دبلوماسية، بل تحمل آثاراً قانونية وسياسية خطيرة.
فهي تعني، عملياً، أن الدولة اللبنانية قيّدت بنفسها أحد أهم أسلحتها القانونية، وهو حق اللجوء إلى المنابر الدولية لملاحقة الجرائم والانتهاكات. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تعتبر منظمة العفو الدولية أن هذا البند يمثل خذلاناً للضحايا وتقويضاً لمسار العدالة.
فالعدالة ليست ورقة تفاوض. وحقوق ضحايا جرائم الحرب ليست ملكاً لأي سلطة حتى تتنازل عنها. ومن أخطر ما يمكن أن تفعله أي سلطة أن تحرم شعبها من حق المطالبة بمحاسبة من دمّر القرى، وقتل المدنيين، واستهدف البنية التحتية، ثم تسمي ذلك إنجازاً سياسياً.
العدو يفضح السلطة
في السياسة، لا شيء يفضح الاتفاقات أكثر من رد فعل الطرف الآخر. إسرائيل لم تُخفِ ارتياحها للاتفاق. بل إن مسؤولين فيها تحدثوا عنه باعتباره إنجازاً سياسياً وأمنياً، واعتبروه خطوة تحقق مصالح إسرائيل. وفي المقابل، لم تستطع السلطة اللبنانية أن تقدم إنجازاً واحداً يوازي هذا الاحتفاء الإسرائيلي.
وعندما يحتفل خصمك بالاتفاق أكثر منك، فمن حق شعبك أن يسأل: لمن كُتب هذا الاتفاق؟
السلطة تستدعي من يغطي فشلها
لو كان الاتفاق ناجحاً، لما احتاج إلى جيش من المدافعين. ولو كانت نتائجه واضحة، لما اضطرت السلطة إلى تغيير روايتها في كل محطة. ولو كانت مقتنعة بأنها حققت مصلحة لبنان، لما خافت من نشر النص كاملاً، أو مناقشته أمام الرأي العام، أو الرد على الانتقادات القانونية بنداً بنداً.
إن كثرة التبريرات ليست دليلاً على صحة القرار، بل على عجزه عن الدفاع عن نفسه. ولهذا فإن كل إطلالة إعلامية جديدة للمسؤولين لم تعد تقنع اللبنانيين بسلامة الاتفاق، بل تعزز الانطباع بأن السلطة تحاول الدفاع عن قرار تعرف في قرارة نفسها أنه فقد شرعيته السياسية والأخلاقية حتى وصل بها الأمر لتعترف بأنه اتفاق فاشل وانهزامي ولكنها تعود لتبرر بأنه افضل الممكن
خلاصة القول
الأوطان لا تُقاس بما توقعه حكوماتها، بل بما تحفظه من حقوقها. واليوم، بعد أشهر من توقيع اتفاق الإطار، تبدو الحصيلة واضحة: اعتداءات لم تتوقف، واحتلال لم ينتهِ، ومخالفة دستورية وميثاقية واضحة، وحق الضحايا في العدالة أصبح مهدورا ، فيما السلطة ما زالت تطلب من اللبنانيين أن يصدقوا أن كل ذلك إنجاز.
لقد وقّعت السلطة الاتفاق وهي تعتقد أنها تطوي صفحة الصراع، لكنها في الواقع فتحت صفحة عنوانها: كيف يمكن لسلطة ان تبيع حقوقها دون اي مقابل وان تتخلى عن كل أوراقها دون اي مقابل. التاريخ، سيحفظ اسماء المتخاذلين الذين باعوا الحق والسيادة والأرض خوفا على منصب او مكسب سياسي وعند لحظة الحقيقة سيجدون أنفسهم في قعره.
مصدر الخبر
نشر الخبر اول مرة على موقع :www.almanar.com.lb
بتاريخ:2026-07-14 15:16:00
الكاتب:أحمد فرحات
ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي



