العرب والعالم

من دوحة 2008 إلى طائف 2025؟ #محليات #عاجل

من دوحة 2008 إلى طائف 2025؟

ثلاثية شيعية موحّدة ترفض “اتفاقاً جديداً”: لا لتكرار تجربة 17 أيار

بقلم: صقر درويش | باحث في الاستراتيجيا

في لحظة سياسية حرجة يمرّ بها لبنان، برز موقف موحّد وواضح من قِبل المرجعيات الشيعية الأساسية في البلاد، رافضاً بشكل قاطع أي مسار تفاوضي جديد قد يمسّ المعادلة الدفاعية التي كرّستها المقاومة عبر عقود من المواجهة مع الاحتلال. هذا الموقف لم يكن تفصيلاً، بل جاء في سياق تصاعد الضغوط الدولية وعودة الحديث عن “ضبط السلاح” تحت مظلة التمويل الدولي، ما أعاد إلى الذاكرة اللبنانية الجماعية شبح “اتفاق 17 أيار” 1983، الذي أسقطته الإرادة الوطنية حينها، ويبدو أن التاريخ يحاول تكرار نفسه اليوم بثوب مختلف.

ثلاثية شيعية موحّدة ترفض “اتفاقاً جديداً”: لا لتكرار تجربة 17 أيار
ثلاثية شيعية موحّدة ترفض “اتفاقاً جديداً”: لا لتكرار تجربة 17 أيار

قاسم: لا اتفاق جديد.. والمذكرة الأميركية إملاءات

الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، كان واضحًا في رسالته: الحزب يرفض كليًا الدخول في أي اتفاق جديد، مؤكدًا أن الأساس هو تنفيذ ما سبق الاتفاق عليه، وتحديدًا تفاهم نيسان 1996 والقرار 1701، اللذين لطالما خرقت إسرائيل بنودهما دون رادع.

قاسم كشف في تصريحه عن مضمون المذكرة الأميركية الثالثة، التي حملها الموفدون الدوليون، متضمنة ما وصفه بإملاءات صارخة، من أبرزها:

  • تفكيك نصف البنية الصاروخية للمقاومة خلال 30 يومًا.
  • ربط أي انسحاب إسرائيلي جزئي من الجنوب بإنهاء القدرات الدفاعية للبنان.

ولخّص قاسم هذه الشروط بالقول:

“خلاصة المذكرة: يد إسرائيل مفتوحة مقابل كل التنازلات اللبنانية.”

وأضاف أن هذه الإملاءات لا تستهدف المقاومة فحسب، بل تهدف إلى تفريغ الدولة اللبنانية نفسها من عناصر قوتها، بما في ذلك الجيش، وإبقاء لبنان مكشوفًا أمام أي عدوان.

قبلان: لا يُحقّ لمن يحمل وطنه في حقيبة أن يتحدث عن السيادة

المفتي الجعفري الممتاز، الشيخ أحمد قبلان، لم يكن أقل وضوحًا، بل استخدم لهجة تحذيرية صريحة. فـ”لبنان ليس توقيعًا على ورقة تخدم إسرائيل”، كما قال، محذرًا من مغبّة الانخراط في تسويات تفرّط بالسيادة الوطنية مقابل أثمان سياسية أو مالية.

“من يضع البلد في قلب النار، يتحمّل مسؤولية إشعالها”، قال قبلان، مشددًا على أن حماية السلم الأهلي لا تمرّ عبر تجريد المقاومة من سلاحها، بل بتعزيز منظومة الردع الوطنية.

وذكّر بأن هذه المقاومة “هي من حررت الأرض وصانت الكرامة حين كان البعض إما غائبًا أو متواطئًا”.

الخطيب: لا لحكومة تُدار من الخارج

أما نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الشيخ علي الخطيب، فقد وضع إصبعه على جوهر الأزمة السياسية، متهمًا الحكومة بتنفيذ أجندة لا تعبّر عن المصلحة اللبنانية العليا.

“إذا كانت القاعدة هي الخضوع لقرارات تُملَى من الخارج، فمعنى ذلك أن لا ثقة بكم كحكومة”، قال الخطيب، مطالبًا بموقف وطني واضح في حماية بيئة المقاومة، لا الانجرار إلى محاور تخدم أجندات خارجية.

قراءة استراتيجية: ما بين الذاكرة والإنذار

إن ما يجمع بين هذه التصريحات ليس فقط وحدة التوقيت، بل وحدة الرسالة: لا لاتفاق جديد، لا لوصاية دولية، لا لتفكيك عناصر القوة الوطنية. وتلك الرسائل تتقاطع حول ثلاث مرتكزات:

  • رفض مبدئي لأي تفاوض جديد يمسّ بسلاح المقاومة أو يجعله بندًا للمقايضة.
  • تحذير من إعادة إنتاج “اتفاقات الإذعان” التي طبعت مرحلة ما بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.
  • تحميل الدولة ومؤسساتها المسؤولية عن أي تفريط بالسيادة مقابل وعود مالية أو مساعدات مشروطة.

هذه المواقف تشكل معادلة ردع سياسية داخلية لا تقل أهمية عن الردع العسكري. فهي تعلن بوضوح أن منجزات الميدان لا تُفكك على طاولات المفاوضات، وأن كل من يتطوّع للتنازل عنها سيكون خارج الإجماع الوطني الحقيقي.

خلاصة استراتيجية: بين السيادة والانقياد

اليوم، لم يعد الخيار بين الحرب والسلم، بل بين السيادة والانقياد. بين دولة تصنع قرارها على أساس معادلة القوة، أو دولة تُصنّع لها الوصايات اتفاقات مشروطة لتسلب منها آخر مقومات الكرامة الوطنية.

وكما قال الشيخ قاسم:

“إذا سلّمنا سلاحنا فلن يتوقّف العدوان. والتمويل المشروط لا يبني دولة، بل يُسقطها في حضن الوصاية.”

إن الرسالة التي وجهها هذا الثلاثي القيادي لا تقتصر على الداخل اللبناني، بل تُوجه أيضًا إلى العواصم المعنية، وتختصر الموقف الوطني في معادلة بسيطة لا لبس فيها:
“لا اتفاقات مفروضة، لا سلاح يُنتزع، لا دولة تُبنى بالإذعان.”


خاتمة: من دوحة 2008 إلى طائف 2025؟

في 5 أيار 2008، حين تحمّس “البيك”، انتهت الحماسة في الدوحة، حيث فُرضت تسوية خارجية رتّبت المشهد اللبناني لعقد ونصف.
اليوم، في 5 آب 2025، يتكرّر المشهد بحماسة مختلفة، من أطراف جديدة، تسعى إلى فرض “طائف جديد” تحت عنوان “إعادة تشكيل الدولة”، فيما الهدف الحقيقي هو تفكيك كل ما راكمته المقاومة من قدرة ردع، وتسليم لبنان إلى مقايضة كبرى.

لكن الفارق الجوهري أن المقاومة هذه المرة ليست وحدها.
الثلاثية الشيعية رفعت الصوت مبكرًا، وقالت ما يشبه الإنذار: لن يكون هناك طائف يُكتب في غياب المقاومة، ولن يكون هناك لبنان إن سقطت عناصر قوته.

فما بين أيار 2008 وآب 2025، تغيرت موازين القوى، لكن دروس التاريخ واحدة:
حين يتحمّس البعض أكثر من اللازم، قد يُسقط البلد في تسوية قاتلة،
لكن حين تتوحّد جبهة السيادة، يُكتب المستقبل بلغة الصمود، لا بلغة الشروط.


 

Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى