العلوم والتكنولوجيا

قصة تقدم.. تقنية الخزانات الكروية

يُعدّ التخزين الآمن للغازات المضغوطة أحد التحديات الأقل شهرةً ولكنها بالغة الأهمية في البنية التحتية للطاقة العالمية.

فمن الغاز المسال إلى المواد الأولية البتروكيماوية، تُعتبر خزانات الضغط الكروية معيارًا عالميًا، ليس من باب العادة، بل نظرًا للمنطق الهندسي الدقيق الذي تقوم عليه.

من منظور هندسي، تُعدّ الكرة الشكل الأقرب إلى الشكل المثالي. يسمح هذا الشكل الهندسي بتخزين أكبر حجم بأقل كمية مستخدمة من المعدن، ويتوزع الضغط الداخلي بالتساوي في جميع أنحاء الخزان. والنتيجة هي هيكل أخف وزنًا وأكثر أمانًا واقتصاديا، لا سيما عند الضغوط العالية.

بالمقارنة مع الخزانات الأسطوانية، تشغل الخزانات الكروية مساحة أقل، وتستخدم عددًا أقل من الصفائح المعدنية في بنائها، كما أن سمك غلافها أقل بنحو 60%. هذه الخصائص جعلت الخزانات الكروية عنصرًا أساسيًا في صناعات النفط والغاز والبتروكيماويات العالمية.

مع تطور صناعة البتروكيماويات الإيرانية في التسعينيات من القرن الماضي، ازدادت الحاجة إلى هذا النوع من الخزانات بشكل سريع. في ذلك الوقت، كانت الخزانات الكروية الكبيرة تُستورد في الغالب من الخارج، واقتصر دور الشركات المحلية على التجميع والاختبار في موقع المشروع.

لكن سرعان ما ظهرت قيود النقل؛ إذ أصبح عبور الطرق والجسور للخزانات التي يزيد قطرها عن 18 مترًا تقريبًا أمرا محالا.و بالنظر إلى هذه الأبعاد، كان لا بد من نقل عملية التصنيع إلى موقع المشروع.

تحوّل هذا القيد التقني تدريجيًا إلى مشكلة استراتيجية. وواجهت شركة أراك لصناعة الآلات، التي تمتلك خبرة طويلة في تصنيع خزانات الضغط الأسطوانية، هذا السؤال: “إذا كان من الممكن تصنيع العدسات وأجسام الضغط بدقة باستخدام معدات محلية، فلماذا يبقى تصنيع الخزانات الكروية بالكامل معتمدًا على الدول الأجنبية؟”.

لم يكن دخول هذا المجال بالأمر الهين. فتصنيع كرة معدنية ضخمة ليس مجرد مسألة ثني صفائح معدنية. يجب أن يكون الخزان مستقرًا في مواجهة الضغط الداخلي والزلازل والرياح ومختلف الظروف البيئية.

تصميم الدعامات، وكيفية نقلها للأحمال وربطها بالأساس أمر يتطلب تحليلات هيكلية دقيقة وفقًا لمعايير السلامة الدولية. ومن أصعب مراحل العملية هي مرحلة تحويل الشكل الكروي المتصل إلى قطاعات قابلة للتصنيع، وهي القطاعات التي يُطلق عليها اسم “البتلات”.

يجب تصنيع كل بتلة بدقة متناهية تصل إلى المليمتر، بحيث تبقى المسافة بين الأجزاء أثناء التجميع ضمن النطاق المسموح به، أي حوالي 2 إلى 3 مليمترات. هذه المسافة بالغة الأهمية لجودة اللحام، والتحكم في الإجهادات المتبقية، والسلامة النهائية للهيكل.

في المراحل الأولى، كانت الأخطاء أمرا طبيعيا . بعض الفجوات كانت صغيرة جدًا، لا تتجاوز 7 أو 8 ملليمترات، واستغرق تصحيحها وقتًا طويلا. ولكن مع تحسين أساليب التصميم، وتشديد رقابة الجودة، والتعلم التدريجي، تم القضاء على هذه المشاكل تمامًا. وقد جاء جزء كبير من هذا التعلم من التفاعل الوثيق بين المهندسين واللحامين والفنيين ذوي الخبرة؛ وهي معرفة لا تُكتسب نظريًا، بل تُبنى عمليًا في ورشة العمل.

لإنتاج البتلات وقصها ونظرًا لانحنائها في ثلاثة أبعاد، كان يُعتقد في البداية أنه لا بد من صنع آلة CNC ثلاثية الأبعاد، لكن مهندسي المشروع غيّروا المسار باكتشاف بسيط ولكنه جوهري:

“تم إدخال الصفائح الخام، المستطيلة الشكل، أولًا في آلة تشكيل العدسات لإنشاء قوس أولي وفقًا لنصف القطر المطلوب. ثم، باستخدام قوالب صممها المهندسون، تم التحكم في درجة الانحناء وتطابق الحواف. وعلى الرغم من انحناء الصفائح، تم إجراء القطع النهائي باستخدام آلة قطع ثنائية الأبعاد، مما زاد من دقة التصنيع بشكل ملحوظ”.

في مصفاة تبريز، قامت إحدى دول شرق آسيا بتصنيع عدة خزانات كروية، وعندما تم صناعة أولى الخزانات الإيرانية، حضر ممثلون عن تلك الدولة لمتابعة العمل. وظنوا أن المشروع سيواجه العديد من الأخطاء. ولكن عند تركيب آخر جزء، كانت المسافة بين الجزأين ضمن النطاق القياسي تمامًا، أي من 2 إلى 3 مليمترات؛ دقة متناهية جعلت الزوار الأجانب يصفقون دون وعي.

في تلك اللحظة، تم كسر حاجز التنافس في صناعة الخزانات الكروية في إيران، ودخلت البلاد رسميًا في مصاف الدول المصنعة لهذا النوع من المعدات المعقدة.

بادرت شركة أراك لصناعة الآلات كأول جهة إلى تقديم طلب لصنع خزانات كروية وقد دخلت في هذا المضمار وقبول هذه المخاطرة بروح وطنية وإيمان بقدرة الصناعة المحلية. وتضافرت خبرات الشركة في تصنيع الخزانات الأسطوانية، ومهاراتها في صنع الآلات، وقدرات مهندسيها الشباب في التصميم والتحليل، لتُنتج أول خزان كروي إيراني.

حتى الآن، أنتجت شركة أراك لصناعة الآلات حوالي 140 خزان ضغط كروي، بعضها لمشاريع خارج البلاد، بما في ذلك تركمنستان. وكان من أبرز هذه المشاريع مصفاة “ستاره خليج فارس”، التي شملت 13 خزانًا كرويًا كبيرًا.

هذه التجربة، إلى جانب كونها نجاحًا وطنيًا، تحمل درسًا عامًا:

الاكتفاء الذاتي الصناعي لا يتحقق بالشعارات، بل بالتراكم التدريجي للمعرفة الهندسية، والقوى العاملة الماهرة، وحل المشكلات في ظروف واقعية”.

في عالم بات فيه أمن الطاقة والسلامة وتوطين سلاسل التوريد أمرا بالغة الأهمية، تُظهر هذه الأمثلة كيف يمكن للصناعة أن تنتقل من مجرد التجميع إلى الإنتاج الكامل، مع الالتزام بالمعايير العالمية والاستعداد للتعاون الدولي.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: arabicradio.net

تاريخ النشر: 2026-07-25 22:48:00

الكاتب:

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
arabicradio.net
بتاريخ: 2026-07-25 22:48:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى