خاص | الخطاب الاستراتيجي للمقاومة في مجتمع لبناني متنوع: تحديات السردية في تحديد العدو والأولويات
لم تعد الحروب المعاصرة حروبًا عسكرية فحسب، بل تحولت أيضًا إلى معركة على تفسير الحدث وتحديد معناه والمسؤول عنه، بحيث بات استهداف العقول والتصورات والتأثير في صناعة القرار جزءًا من الصراع، وأصبح الاتصال الاستراتيجي أداة لتعزيز صمود الجمهور وتماسكه في مواجهة السرديات المضادة.
وانطلاقًا من ذلك، يطرح هذا المقال الإشكالية الآتية: كيف يمكن للمقاومة، بوصفها فاعلًا غير دولتي، أن تبني سردية استراتيجية تخاطب مجتمعًا لبنانيًا متنوعًا، وتحدد طبيعة العدو والتهديد والأولويات الوطنية، في ظل وجود سرديات لبنانية متعارضة حول أسباب الحرب والمواجهة مع العدو الإسرائيلي؟
.manar-video-wrapper{
position: relative;
width: 100%;
}
.manar-video-wrapper video{
display:block;
width:100%;
height:auto;
}
.manar-play-btn{
position:absolute;
left:50%;
top:50%;
transform:translate(-50%,-50%);
width:84px;
height:84px;
border-radius:999px;
border:0;
cursor:pointer;
display:flex;
align-items:center;
justify-content:center;
background: var(–manar-yellow);
backdrop-filter: blur(2px);
transition: opacity .15s ease, transform .15s ease;
z-index: 2;
}
.manar-play-btn:hover{
transform:translate(-50%,-50%) scale(1.04);
}
.manar-icon-play{
width:0;height:0;
border-top:14px solid transparent;
border-bottom:14px solid transparent;
border-left:22px solid #fff;
margin-left:4px;
}
.manar-video-wrapper.is-playing .manar-play-btn{
opacity:0;
pointer-events:none;
}
(function(){
// Avoid double-binding if theme/plugin prints shortcodes in weird ways
if (window.__manarVideoInit) return;
window.__manarVideoInit = true;
function getWrapper(el){
return el ? el.closest(“.manar-video-wrapper”) : null;
}
function getVideoFromWrapper(wrap){
return wrap ? wrap.querySelector(“video.manar-video”) : null;
}
function setPlayingUI(wrap, isPlaying){
if(!wrap) return;
wrap.classList.toggle(“is-playing”, !!isPlaying);
var btn = wrap.querySelector(“.manar-play-btn”);
if(btn) btn.setAttribute(“aria-pressed”, isPlaying ? “true” : “false”);
}
function togglePlay(video){
if(!video) return;
if(video.paused || video.ended) video.play();
else video.pause();
}
// Event delegation: handles multiple videos + dynamically added ones
document.addEventListener(“click”, function(e){
var btn = e.target.closest && e.target.closest(“.manar-play-btn”);
if(btn){
var wrap = getWrapper(btn);
var video = getVideoFromWrapper(wrap);
e.preventDefault();
togglePlay(video);
return;
}
var vid = e.target.closest && e.target.closest(“video.manar-video”);
if (vid && !vid.hasAttribute(“controls”)) {
// optional: click video toggles play/pause
togglePlay(vid);
}
});
// Keep UI in sync for ALL videos (capture catches events in modern browsers)
document.addEventListener(“play”, function(e){
if(e.target && e.target.matches && e.target.matches(“video.manar-video”)){
setPlayingUI(getWrapper(e.target), true);
}
}, true);
document.addEventListener(“pause”, function(e){
if(e.target && e.target.matches && e.target.matches(“video.manar-video”)){
setPlayingUI(getWrapper(e.target), false);
}
}, true);
document.addEventListener(“ended”, function(e){
if(e.target && e.target.matches && e.target.matches(“video.manar-video”)){
setPlayingUI(getWrapper(e.target), false);
}
}, true);
// Initialize current videos (in case some are autoplaying or rendered paused)
function initExisting(){
document.querySelectorAll(“.manar-video-wrapper”).forEach(function(wrap){
var video = getVideoFromWrapper(wrap);
if(!video) return;
setPlayingUI(wrap, !(video.paused || video.ended));
});
}
if(document.readyState === “loading”){
document.addEventListener(“DOMContentLoaded”, initExisting);
}else{
initExisting();
}
})();
من الإتصال الإستراتيجي إلى معركة بناء السردية
يُقصد بـالاتصال الاستراتيجي الاستخدام الهادف والمخطط للاتصال من قبل منظمة من أجل تحقيق رسالتها وأهدافها، وهو بذلك يتجاوز المفهوم التقليدي للإعلام القائم على نقل المعلومات أو الإعلان عن المواقف. فالصفة «الاستراتيجية» تعني أن عملية الاتصال ترتبط بهدف محدد، وجمهور مستهدف، ورسائل يجري اختيارها وصياغتها بما يتلاءم مع هذا الجمهور. ومن ثمّ، فإن السؤال في الاتصال الاستراتيجي لا يقتصر على ماذا نقول؟، بل يشمل أيضًا: لمن نقول؟ ولماذا؟ وبأي وسيلة؟ وما الأثر الذي يُراد تحقيقه؟ ولذلك يدخل ضمنه الخطاب الرسمي، والإعلام، والعلاقات العامة، والاتصال الرقمي، والصورة والرمز، وغيرها من الأدوات التي تتكامل في إيصال الرسالة. وهذا المفهوم هو ما تناوله كيرك هالاهان وزملاؤه في دراستهم «تعريف الاتصال الاستراتيجي» (Defining Strategic Communication)، المنشورة في المجلة الدولية للاتصال الاستراتيجي عام 2007.
أما السردية الاستراتيجية، فهي أوسع من الرسالة الإعلامية المنفردة؛ لأنها تمثل الإطار الذي تُوضع داخله الأحداث والوقائع والشخصيات، بحيث تصبح مترابطة وتحمل معنى محددًا. فالسردية لا تكتفي بالقول إن حدثًا ما وقع، وإنما تسعى إلى تفسير لماذا وقع، ومن المسؤول عنه، وما الذي يعنيه، وإلى أين يمكن أن يقود. ولهذا تقوم السردية على ربط الماضي بالحاضر والمستقبل، وعلى تحديد الفاعلين وأدوارهم وهوياتهم وموقع كل منهم داخل الصراع. وفي أوقات الحروب والأزمات تكتسب هذه المسألة أهمية أكبر، لأن الصراع لا يدور فقط حول الحدث نفسه، وإنما أيضًا حول المعنى الذي سيعطيه الجمهور لهذا الحدث؛ فقد تقدم الأطراف المتصارعة الواقعة العسكرية نفسها ضمن سرديات مختلفة، وتضع كل منها أسبابها ونتائجها والمسؤولية عنها في إطار تفسيري مختلف. وهذا ما تناوله أليستر ميسكيمون وبن أولافلين ولورا روزيل في كتابهم «السرديات الاستراتيجية: قوة الاتصال والنظام العالمي الجديد» (Strategic Narratives: Communication Power and the New World Order)، الصادر عن روتليدج عام 2013.
وبذلك، ورغم الترابط بين المفهومين، لا ينبغي استخدامهما بمعنى واحد؛ فـالسردية الاستراتيجية تحدد الإطار الذي تُفهم من خلاله الأحداث: من نحن؟ ما طبيعة التهديد؟ من هو الخصم؟ لماذا وقع الصراع؟ وما المسار الذي يمكن أن يقود إليه؟ أما الاتصال الاستراتيجي فهو العملية التي تُنقل من خلالها هذه المعاني والرسائل إلى الجماهير المختلفة. ومن هنا تكتسب العلاقة بين الاتصال والسردية أهمية خاصة في الحروب المعاصرة، حيث لم يعد التنافس مقتصرًا على السيطرة على الميدان، بل أصبح يشمل أيضًا التنافس على تفسير ما يحدث وتحديد معناه وترسيخ هذا التفسير لدى الجمهور.
ماذا تقول تجارب الدول؟ دروس في بناء السردية أثناء الحروب
تكشف الحروب المعاصرة أن الاتصال الاستراتيجي بات جزءًا من إدارة الحرب إلى جانب العمليات العسكرية، من خلال بناء السردية، وتعزيز التماسك الداخلي، ومخاطبة الجمهور الخارجي ومواجهة رواية الخصم. وفي هذا السياق، استعرضت دراسة صادرة عن مديرية الدراسات الاستراتيجية في المركز الإستشاري للأبحاث والتوثيق بعنوان «الاتصال الاستراتيجي مع الجمهور خلال الحروب العسكرية والإدراكية دروس من تجارب معاصرة وتوصيات»، عددًا من التجارب الدولية، أبرزها الحرب الروسية–الأوكرانية، والعدوان على غزة، والعدوان الأميركي–الإسرائيلي على إيران، بهدف استخلاص أبرز أنماط إدارة السردية والاتصال خلال الحروب.
في الحرب الروسية–الأوكرانية، تعرض الدراسة التجربة الأوكرانية بوصفها نتيجة مسار من التحضير والتطوير سبق الحرب الحالية، ولا سيما بعد عام 2014. واعتمدت كييف نموذج «الصوت الواحد»، بحيث تحدد القيادة السردية الاستراتيجية العامة، فيما تتولى الوزارات والإعلام والمجتمع المدني إعادة صياغتها ونشرها بأساليب متنوعة. كما لم تحصر أوكرانيا روايتها في الدفاع عن أراضيها، بل وجهت إلى الجمهور الغربي سردية تربط الحرب بالدفاع عن النظام الدولي والقيم الديمقراطية، واستخدمت العاطفة والسخرية والمحتوى الرقمي، مع إشراك المجتمع المدني والمتطوعين في الجهد الاتصالي. وفي المقابل، تصف الدراسات التي يستند إليها التقرير الرواية الروسية بأنها عانت من التجزؤ وضعف الوضوح والمصداقية مقارنة بتماسك الرواية الأوكرانية.

وفي العدوان الإسرائيلي على غزة بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ركز الاتصال الاستراتيجي للعدو الإسرائيلي، وفق الدراسة، على مسارين متوازيين: داخلي يهدف إلى تعزيز الوحدة والتعبئة خلف المجهود الحربي، وخارجي يستهدف الحفاظ على الدعم السياسي والعسكري الدولي وتبرير العمليات أمام الحكومات والرأي العام. وبنى كيان العدو سرديته على ربط حركة حماس بالإرهاب وتنظيم «داعش» ومعاداة السامية، بما يضع الصراع ضمن إطار أوسع من المواجهة مع الإرهاب. إلا أن الدراسة تنقل في الوقت نفسه أن كيان العدو واجه صعوبات كبيرة في معركة الرأي العام على وسائل التواصل الاجتماعي، رغم تحقيق أهداف سياسية عدّتها أكثر أهمية، ولا سيما الحفاظ على الدعم الأميركي والأوروبي والتماسك الداخلي.


أما العدوان الأميركي–الإسرائيلي على إيران عام 2026، فتقدمها الدراسة باعتبارها نموذجًا واضحًا للصراع المتزامن على المستويين العسكري والإدراكي. فقد اعتمدت إيران، وفق المصادر التي يستعرضها التقرير، اتصالًا متعدد المستويات يجمع بين الخطاب الرسمي والإعلام الحكومي والفضاء الرقمي وعمليات التأثير والوسائل السيبرانية والذكاء الاصطناعي. كما قسمت جمهورها إلى شرائح رئيسية: الداخل الإيراني، وكيان العدو، والولايات المتحدة، والجمهور الإقليمي، وخصصت لكل منها رسائل مختلفة. وفي مخاطبة الجمهور الأميركي، ركزت السردية الإيرانية على تصوير الحرب باعتبارها صراعًا دفعت العدو الإسرائيلي واشنطن إليه، وعلى إبراز تكاليف استمرار التدخل الأميركي.
وتنقل الدراسة مقارنة لافتة بين الأداءين الإيراني والأميركي؛ إذ ترى إحدى المقالات التي تعتمد عليها أن طهران حافظت على قدر من الانضباط في سرديتها عبر تكرار مفاهيم السيادة والمقاومة والصمود والدفاع الوطني في خطاب القيادة السياسية والعسكرية والدبلوماسية والإعلام، فيما عانى الخطاب الأميركي، بحسب المصدر نفسه، من تباين في التصريحات والتبريرات المقدمة للحرب. واستفاد الاتصال الإيراني كذلك من المحتوى متعدد اللغات والسخرية والذكاء الاصطناعي، وصولًا إلى تلخيص نموذجه بمركزية القرار، وتعدد قنوات التنفيذ، وتخصيص الرسائل وفق الجمهور، وربط الفعل العسكري والسياسي بالرسالة الاتصالية.
وقد انعكس هذا الربط بين الرسالة الاتصالية والفعل الميداني بصورة واضحة في الأداء الإيراني خلال المواجهة، إذ لم تبقَ الرسائل المعلنة منفصلة عن مسار العمليات على الأرض.
وفي هذا السياق، كانت الدعاية الإيرانية مترافقةً مع تطبيق الأفعال على الأقوال؛ فعندما قالوا: «سنردّ»، ردّوا فعلًا. وقد وصل الأمر إلى مرحلة لم تتراجع فيها إيران، رغم تكرار تهديدات ترامب، بل واصلت ردودها حتى بلغت حدّ تنفيذ الضربات الاستباقية.
لذلك، لم تنجح الدعاية القائمة على الترهيب. فعندما قال ترامب إنه يريد إعادة الحضارة الإيرانية إلى الوراء، لم يتراجع الإيرانيون. وعلى العكس، حققوا مكسبًا دبلوماسيًا من خلال مذكرة التفاهم، وتمكّنوا، بفضل حنكتهم وعبر وسائل الإعلام العالمية، من تصوير هذه المذكرة على أنها هزيمة لترامب.


وتأتي تجارب الهند وباكستان وأذربيجان وأرمينيا كأمثلة مكمّلة في الدراسة؛ إذ تؤكد الأولى أهمية دمج الصورة والتوثيق البصري بالعملية العسكرية وصياغة تفسير سريع لما يشاهده الجمهور، فيما أبرزت التجربة الأذربيجانية–الأرمينية أهمية المبادرة في بناء السردية وتوحيدها؛ فقد واجهت أرمينيا تشتتًا في الرسائل وغلبة رد الفعل، بينما قدمت أذربيجان سردية أكثر مركزية ركزت على السيادة واستعادة الأرض والشرعية الدولية.
وتكشف هذه التجارب مجتمعة أن فاعلية السردية لا ترتبط بكثافة الرسائل وحدها، بل بوضوحها واتساقها، والمبادرة في بنائها، وتحديد الجمهور، وتكييف الرسالة معه، وربط الخطاب بالفعل. غير أن هذه النماذج تتعلق أساسًا بدول تخاطب مجتمعاتها باسم مؤسسات رسمية؛ وهنا تبرز إشكالية مختلفة في الحالة اللبنانية: كيف يمكن الاستفادة من هذه الدروس عندما يكون الفاعل منظمة غير دولتية تخاطب مجتمعًا متعددًا ومختلفًا في نظرته إلى العدو والحرب والأولويات الوطنية؟
المعضلة اللبنانية: «لو لم نقاتل إسرائيل لما هاجمتنا»… عدو واحد وسرديات متعددة
لا تنفصل الانقسامات اللبنانية حول المقاومة والعدو الإسرائيلي عن اختلافٍ أعمق في قراءة التاريخ وتفسير مسار الصراع، إذ تتقابل سرديات ترى في العدو الإسرائيلي تهديدًا تاريخيًا مستمرًا، وأخرى تربط الاعتداءات بالمواجهة معه. وبين القراءتين، تتشكّل مقاربات متباينة لطبيعة الخطر ولوسائل حماية لبنان، انعكست بوضوح في الخطاب السياسي والإعلامي.
وفي مقاربة الجذور التاريخية لهذه المعضلة، يرى الدكتور جمال واكيم، أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية، في مقابلة مع موقع المنار الإلكتروني، أن الخطر الصهيوني على لبنان يعود إلى بدايات المشروع الصهيوني، مشيرًا إلى أن الوثائق التاريخية تفيد بوجود أطماع في جنوب لبنان منذ اليوم الأول لانهيار الدولة العثمانية وبدء الاستيطان الصهيوني في فلسطين المحتلة.
وبحسب واكيم، جاءت المقاومة ردًا على الاحتلال، خصوصًا أنه بعد نكبة فلسطين وقيام الكيان الصهيوني بدأ هذا الكيان بتنفيذ عمليات استهدفت مناطق وقرى في جنوب لبنان وأدت إلى تهجير سكان منها. ويشير إلى أن الوثائق التاريخية تثبت ذلك أيضًا، بما فيها اعترافات صادرة عن العدو الإسرائيلي نفسه.
وتوفر الصحافة اللبنانية الصادرة منذ عام 1948 شواهد مبكرة على هذه الاعتداءات. ففي 3 أيلول/سبتمبر 1948، أي بعد أشهر قليلة على قيام كيان العدو، خصّص مؤسس جريدة «الحياة» كامل مروّة افتتاحيته لهجوم تعرضت له بلدة بليدا الجنوبية، تحت عنوان «هل سمعتم ببليدا؟»، وتحدث فيها عن اضطرار أهالٍ من بليدا وعيترون وعديسة إلى ترك منازلهم، كما أشار إلى اعتداءات كانت تتكرر على الحدود وإلى ضربات طالت الأراضي اللبنانية منذ أواخر أيار/مايو من ذلك العام. وتكتسب هذه الشهادة أهمية إضافية لأنها كُتبت في زمن الحدث نفسه، وقبل عقود من ظهور حزب الله والمقاومة الإسلامية.
ولا تقف شواهد عام 1948 عند بليدا. فقد استعادت جريدة «السفير» من أرشيف «الحياة» أخبارًا نشرتها الصحيفة في تشرين الأول من ذلك العام عن تحرك قوات إسرائيلية معززة بالمصفحات من مستعمرة المنارة باتجاه بلدة حولا، وعن تدخل الجيش اللبناني إلى جانب جيش الإنقاذ في صد الهجوم. كما نقلت أن «الحياة» نشرت في اليوم التالي خبرًا عن هجوم للعدو الإسرائيلي على بليدا ومواجهات مع الجيش اللبناني وجيش الإنقاذ .
وفي 31 تشرين الأول/أكتوبر 1948، شهدت حولا واحدة من أكثر الوقائع دموية في تلك المرحلة. وقد عادت «السفير» عام 2000 إلى توثيقها من خلال شهادة حسين محمد ظاهر رزق «أبو فهد»، أحد الناجين، الذي روى للصحيفة كيف جُمعت مجموعة من أبناء البلدة داخل أحد المنازل قبل أن يطلق الجنود الإسرائيليون النار عليهم، فيما أصيب هو ونجا من القتل.

وتظهر الصحافة اللبنانية أن الاعتداءات على الجنوب لم تبق محصورة بمرحلة حرب 1948. ففي أيلول/سبتمبر 1972، وثقت جريدة «L’Orient-Le Jour» عملية عسكرية للعدو الإسرائيلي واسعة جنوب الليطاني، مشيرة إلى أن المنطقة الممتدة من صور إلى الناقورة، ومن الطيبة إلى بنت جبيل وعيترون، عاشت ساعات طويلة من القتال والقصف، وأن قوات العدو استخدمت القنابل وقذائف الهاون والنابالم، قبل أن تبدأ انسحابًا جزئيًا مع استمرار وجودها في بعض المناطق.
وتسمح هذه الشواهد، الممتدة منذ عام 1948، بوضع النقاش حول أسباب المواجهة في سياقه التاريخي الأوسع؛ فهي تثبت أن عمليات عسكرية للعدو داخل الأراضي اللبنانية سبقت بسنوات طويلة نشوء حزب الله والمقاومة الإسلامية، وأن قرى الجنوب كانت مسرحًا للاعتداءات والمواجهات منذ السنوات الأولى لقيام إسرائيل.
ومن هنا، يلفت واكيم إلى انضمام عدد من أهالي الجنوب، في مرحلة لاحقة، إلى التنظيمات المسلحة اليسارية والفلسطينية، مع تصاعد نشاط المقاومة الفلسطينية في أواخر ستينيات القرن العشرين وأوائل السبعينيات. وبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، برزت ظاهرة المقاومة الإسلامية التي استفادت من تجربة منظمة التحرير الفلسطينية وحركة أمل، ومن الزخم الذي أحدثه انتصار الثورة الإسلامية في إيران، عبر مجموعات إسلامية ناشطة تبلورت لاحقًا تحت اسم «المقاومة الإسلامية في لبنان». وبالتالي، يرى واكيم أن المقاومة جاءت ردًا على الاحتلال واعتداءاته، ولم تكن هي السبب في بدء الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان.
أما الدكتور علي الطقش، عميد كلية الإعلام والفنون في جامعة المعارف، ففي مقابلة مع موقع المنار الإلكتروني، فيقارب هذه المعضلة من زاوية تشكّل السرديات في الإعلام اللبناني، معتبرًا أنها قامت على نظرتين مختلفتين كليًا للتاريخ وإلى فرص الاستقرار والأمان في بلد مثل لبنان.
ويشير الطقش إلى أن سردية «التهديد التاريخي» كبرت من خلال الاجتياحات والاعتداءات والاحتلال في الجنوب حتى سنة 2000، ويقدّمها الإعلام في إطار وجودي مبني على أن إسرائيل عدو وصاحبة أطماع بطبيعتها، وهو ما زرع لدى جمهور هذه السردية قناعة بأن القوة والردع هما الحل الوحيد للحماية.
في المقابل، يعتبر الطقش أن سردية «تجنّب المواجهة» تشكّلت نتيجة الحملات الإعلامية التي تبنّتها، وفق توصيفه، القوى المحلية المرتبطة عضويًا ومصلحيًا بالهيمنة الأميركية على المنطقة، وهي تركّز على الكلفة العالية للحروب المتكررة والتبعية للمحاور الإقليمية. ويرى أصحاب هذه السردية أن فتح الجبهات هو سبب الدمار، فيما يركّز إعلامهم على الكلفة الاقتصادية والبشرية وعلى ضرورة تحييد لبنان عن صراعات المنطقة.
أما تأثير طريقة عرض السرديتين على الجمهور، فيرى الطقش أنها تعمّق الانقسام العمودي، لأنها تحوّل الموضوع من نقاش استراتيجي حول أفضل طريقة لحماية البلد إلى مواجهة بين اتهامات بالخيانة من جهة، واتهامات بالتوريط والخراب من جهة أخرى.
رواية المنظمة غير الدولتية: كيف تخاطب من لا ينتمي إليها؟
تواجه القوى غير الدولتية إشكالية أساسية حين تحاول تقديم رؤيتها باعتبارها قضية تتجاوز جمهورها التنظيمي أو الطائفي، ولا سيما في مجتمع متنوع كالمجتمع اللبناني. ومن هنا تبرز أهمية البحث في كيفية الانتقال من خطاب موجّه إلى البيئة الخاصة إلى خطاب قادر على مخاطبة الشركاء في الوطن بلغة مشتركة ومصالح جامعة.
وفي قراءة التجربة التاريخية، يشير الدكتور جمال واكيم، إلى أن لبنان شهد حالات وتجارب عديدة تجاوزت فيها المقاومة الإطار الطائفي. فعند العودة إلى تجارب الأحزاب القومية واليسارية، مثل حزب البعث والحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي والتيارات الناصرية وغيرها، يتبيّن، بحسب واكيم، أن المشاركة في مقاومة الاحتلال ضمّت أفرادًا وقوى من مختلف المناطق والطوائف اللبنانية، ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال العودة إلى سجلات شهداء هذه الأحزاب والتنظيمات.
وفي مرحلة لاحقة، يوضح واكيم أن ظروفًا سياسية وميدانية نشأت وأدّت إلى انحسار العمل المقاوم المسلح بصورة أساسية في حزب الله. ويرى أنه من الطبيعي أن تكون الفئات اللبنانية الأكثر تضررًا من الاحتلال والأكثر احتكاكًا مباشرًا به، بحكم موقعها الجغرافي، هي الأكثر انخراطًا في المقاومة ومواجهة المشروع الصهيوني.
لكن النظر إلى المسار التاريخي للصراع، وفق واكيم، يظهر أن مختلف الطوائف اللبنانية شاركت، بدرجات وأشكال متفاوتة، في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. ويمكن في هذا السياق ذكر عدد كبير من الشخصيات الوطنية المنتمية إلى طوائف واتجاهات متعددة ممن قاوموا الاحتلال واستشهدوا في مواجهته. كما يمكن العودة إلى سجلات شهداء الأحزاب اليسارية والوطنية والتقدمية وغيرها، بوصفها دليلًا تاريخيًا على أن مقاومة الاحتلال لم تكن، في مراحل عديدة، محصورة ضمن طائفة أو فئة لبنانية واحدة.
ومن زاوية كيفية مخاطبة من لا ينتمي إلى المنظمة، يرى الدكتور علي الطقش، أن ذلك يكون من خلال التركيز على المنطق والدستور بدل استعمال اللغة الحزبية أو العقائدية فقط، والاعتماد كذلك على منطق الدولة وحقوق لبنان في القانون الدولي واتفاقية الهدنة والقرارات الأممية.
ويشدد الطقش على أهمية فصل القضية عن الهوية، وطرح الموضوع من باب المصالح المشتركة للجميع، مثل حماية الثروات البحرية والأمان الاقتصادي، من دون إشعار الناس بأن عليهم التخلي عن انتمائهم أو تبنّي شعارات الحزب.
ويرى كذلك ضرورة فهم مخاوف الآخر، والاعتراف الصريح بقلق باقي المكونات من موضوع السلاح وتأثيره على الاقتصاد والاستقرار الداخلي، والرد على هذه المخاوف بضمانات وطنية واضحة، بدل تجاهلها أو التهجم عليها.
وفي هذا السياق، يدعو الطقش إلى الاستثمار في الدراما والمسلسلات والأفلام والحملات الإعلامية والمهرجانات الفنية واللقاءات الثقافية والعلمية المكثفة، لنشر الحكايات المرتبطة بالصمود والعدوان والتضحيات التي طالت كل بيوت الجنوب وجزءًا كبيرًا من الشعب اللبناني.
من سردية الفئة إلى سردية وطنية
لا يكفي أن تمتلك المقاومة سرديتها الخاصة كي تتحول تلقائيًا إلى سردية وطنية جامعة، فالمسألة ترتبط بقدرتها على مخاطبة مختلف المكونات وربط مشروعها بمؤسسات الدولة والمصالح المشتركة. ومن هنا يبرز السؤال حول الشروط التي تسمح بانتقال خطاب المقاومة من بيئته الخاصة إلى فضاء وطني أوسع.
في هذا الإطار يرى الدكتور جمال واكيم، أن الأمر يحتاج إلى تحويل مشروع المقاومة إلى مشروع وطني عام، معتبرًا أن ذلك لا يمكن أن يحصل إلا في إطار بناء «دولة مقاومة» أيضًا، وهو ما لم يتحقق، بحسب رأيه، على مدى العقود الماضية نتيجة الظروف.
ومع ذلك، يعتقد واكيم أنه من الممكن تحقيق ذلك من خلال تضافر الجهود بين حزب الله والأحزاب الأخرى ذات البعد غير الطائفي، التي تنادي بالمقاومة وتعتبر الصهيونية خطرًا وجوديًا على الهوية القومية. ويرى أنه عند التركيز على هذا الجانب يمكن بناء مشروع وطني جامع.
أما الدكتور علي الطقش، فيرى أن انتقال خطاب المقاومة إلى خطاب وطني جامع يحتاج إلى تكثيف العمل الميداني والارتكاز على الإعلام البديل، من خلال المهرجانات والحملات التي تنتقل بين القرى والبلدات والمؤسسات، إلى جانب دعم الإعلام التخصصي.
وفي هذا السياق، يشير إلى أهمية الإعلام البيئي الذي يركّز على توعية الجمهور من مختلف الجوانب التي يستهدفها العدو الإسرائيلي، وكذلك الإعلام الاقتصادي المتخصص. ويرى أن الخطاب يحتاج إلى الارتباط بمظلة الدولة، وبشرعية المؤسسات، وبمشروع استراتيجية دفاعية وطنية، لحفظ المكاسب الوطنية، مع إبراز الأكلاف الاقتصادية للعدوان على السياحة والإنتاج والخدمات والكهرباء، وحتى لا يبدو أن قرار الحرب والسلم حكر على جهة واحدة.
كما يدعو الطقش إلى التخفيف من الخطاب العسكري والأمني في أوقات الهدن المتقطعة، والتخفيف من اللغة العقائدية أو المرتبطة بالمحاور خلال تراجع حدة القتال، مثل المرحلة الحالية ومرحلة الخمسة عشر شهرًا بين الحربين، والتركيز على شرح المبررات الدفاعية والتقنية التي تثبت، بحسب قوله، أن هذا السلاح يحمي كل لبنان، وليس طائفة أو منطقة فقط.
ويضع الطقش الشفافية والحوار الداخلي ضمن العناصر المطلوبة أيضًا، من خلال فتح قنوات تواصل صريحة مع الداخل اللبناني والتركيز عليها في الإعلام، عبر دعم إعلام المؤسسات والجمعيات التي تتصدى لهموم الناس وتقدم خدمات كبيرة تشمل القروض والدعم الصحي والتربوي والإنمائي والنفسي، إلى جانب الابتعاد عن خطاب حسابات الربح والخسارة.
وبدل أن يكون الخطاب موجهًا فقط إلى الجمهور الخاص، يرى الطقش ضرورة تدعيم إعلام المؤسسات والجمعيات الحاضرة مع البلديات، وفي رعاية الجرحى وأبناء الشهداء وأعمال الترميم، والتركيز على إنجازات وعمل هذه الجمعيات، معتبرًا أن هذا هو المطلوب في هذه المراحل.
ويختصر الطقش هذه المقاربة بالقول: «مش مطلوب خطاب القوة، المطلوب قوة الخطاب»، أي الخطاب الذي يركّز على العمل الدؤوب الذي يجري كل يوم، والذي يكون الجميع شريكًا فيه.
مصدر الخبر
نشر الخبر اول مرة على موقع :www.almanar.com.lb
بتاريخ:2026-09-22 05:24:00
الكاتب:أحمد فرحات
ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي




